حنّـا

1

اسمي حنّا. امرأة في العشرينات. في كِتمان ويعيشني اثنان. منفردة ومتفرّدة، متفرّغة أيضاً. أحيانا أُحاسب النهار بالليل وأتركهما يتعاتبان، وأستغرق بقيلولة تلحقها دقائق من التفكير والتكفير. أنا مثل عينايَ: متسلطة. لي عادة اللجوء الى الغير. لم يبقى صديق _رجلا أو امراة_ سند لي. بيتي صغيرٌ كفعلي ونعلي. كصدري الذي يسع عالم من الحنين، قبل الفراق وبعد الفراق، يتجلّى في اصوات الأنين

أنني متفاوتة القول وخشنة الملمس. متذمرة ومن قلة بكائي أرى أن السيل استئصال. فليال عدة تمددت على جانباً تحمله جبال وأُحمّله من رثائي. أُسرف في الكلام وأُسرع في السلام. كل الوجوه لي سواسية. فتلك تضع الكحل في استنفار والأُخرى تتزيّن به والأُخريات والآخرين كُثُر. ما همّي! فأنا حرة، غير مرتبطة بعد الآن

ثمن حياتي كثمن كلماتي. انا لست مستقرة مالياً، او معنوياً. أروي عن أوراق ممزقة وأُمزق أوراق أُخرى. كم تَسَلّقوا شعري القصير وجسمي المتمسك بشحمه. وفائي للطبيعة وسيبقى كذلك. منها أسترق البصيرة وأنبعث الى سماء الآخرة لأبدأ من جديد

في يوم سألت الطبيعة عن نفسها أجابتني بالنسيان. تلك التي لم تصنّفني في رأيها او تضعني في الحسبان. تلك التي شربت من كأسي شفّتين، والتي هربت من عمري هريبتين. كنت اعشق جريَهَا عند الهروب. كنت ألمس جفنيها كل ليلة بشاربي الأنوثي وتحسبه رمشي. فأين الآن أمشي؟ هروبها يلحقني، أحيانا يسبقني، وأحيانا اخرى يلهث معي من دون نسيان. فالطبيعة تُنسي ولا تَنسى... أتراها تفتقدني كلما أغيب عنها؟ أيتراءى في منامها سنها، وتشيخ؟ اتراها تشتاق لي ان أعيش؟

أصبح الموت لي ديانة أعتنقها. بعدما كنت أُسميه بالافتراق وأُلبيه بنظرة لكفن لطالما كانت معارضة، أصبح يعيش ويتعايش، يزيد ويتكاثر. وأصبحت أنا مثله: صامتة. ليلة ممات قمري تركت مقاماتي الموسيقية وأخذت أصيح. انفردت بصنم وأخذت أتغزل وأتوسل. أعيديها لي يا مريم، ما لي بعدها مُريح. أو خذيني، فهناك أنا وهنا أرض التحسّر.

2 
اللوم يستنزف من طاقاتي، وذكرياتي. لا أُريد اللوم بعد الآن. لِمَ أُحاول التوجه لملجأ احتمالي؟ لِمَ لا أضيع أنا الأُخرى؟ ولِمَ لا أترك العنان ؟ ماذا أفعل؟
  لقد نسيت أن أرتشف القهوة بعجلة ذات يوم. فبقيت أستنزف وقت وطعم مر ونوم. وعندما تذكرت من كان ينتظرني، أسرعت له. سألت عنه سائق الشاحنة فقال لم يره.

ما به يتناسى ملامحي عندما يرى الأُخريات والآخرين؟ ينكر سنين معدودة وأفكار موعودة وجمالي. ما أن يراني يتراءاني وما ان أراه أُقبّله برغبة. أهو قُبحي؟ ام هو صبحي؟ ام هي ليلى؟ أم هل هو سؤالي؟
ان كان سينتظرني في المرة الأُخرى فلينسى ملامحي ولينظر اليَّ من جديد

لا أتخيله يقضي أوقات الاشتياق مثلي. فهو أصغر من أفعاله وأصغر من عواقبهم. الاشتياق أكبر منه. كما ان بعض الناس قلوبهم عقلانية، والبعض يبررون أخطائهم بمواقفهم.

هنالك امرأة تعرفت عليها هنا وهناك. كالطبيعة، جمعتنا الصدفة. أقول لها أن تؤمن بي، لكنها تراني متحيزة لجنس غير جنسها. مع أنني أُحبها بكل تفاصيلها. عذراء، صفراء الشعر، ناعمة الصوت. قلت لها في ليلة أنني حلمت بها، وقالت أنها حلمت بالموت. فأصبحت اسأل عنها في الليالِ الحمراء خشية بها أن تحترق. وفي ليلة اطلَقَت عليّ اسم البحر وسمَيتُها قمري المضيئ. فَسَبَحت على أطرافي ونَظَرَت الى انجرافي وقالت ما بكِ؟ قلت لا شيء

3
أمثالنا لايملكون الأصدقاء" قالت صديقة لي"

ليس لاختلافنا او تجردنا او طريقتها او طريقتي، ولأكن صريحة، لا أعلم لماذا. نتوحّد بأنفسنا. نتطرق لمواضيع تلمسنا وتتلمسنا. الآخرين لا يعرفون ما ينقصهم ونحن لا نعرف ما يكثرنا.
ولكن يأتي يوم بعد سنين، يقولون ترى به الاصدقاء. يكونون مثلك ومثلي، أمّا الآخرين، حتى حينها سينظرون ويستنظرون بازدراء.

عذراء، صفراء الشعر، ناعمة الصوت، لا تشبهني. لا تفهمني ولكن تتفَهّمَني. عند خروجنا ترتدي الحجاب كمعظم نساء مجتمعي. أما أنا فشعري كالرجال، لا يغري. تحكي لي عن جارتها وعن حارتها. تحب أن ترتدي فستان أسود وترقص على سطح منزلها. ليتني اراها في اليوم مرتين، فهي تذكرني بالطبيعة، تظهر كل يوم بصورتين
 
عند تفكيري بها أتذكر حبيبي، مع انه لا يشبهها، ولا يتشبّه بها. حبيبي _مثلي_ يعيشه اثنان. ذلك ما جمعني به. فهو وأنا نعيش ونتعايش، نحب ونتحاب في حالتين، و في معظم الوقت نَترك او نُترك. وذلك ما فرّقني عنه. كنت أقنعه أن يرتدي الثوب الذي لطالما كرهت ارتدائه، قال أن ارتدائه سينزع رجولته من بين رجليه، قلت سيظهرها. حبيبي كان يخاف من جماله كخوفي من قبحي. كنّا نتبلور في السرير كمفرد منسي، ثم نتفرّق، فننام اثنين

لن أشتاق له بعد اليوم

4 
أنا والخسارة لا نسير يد بيَد، بل نتقلّب سوياً. أقول لها ألّا ترجع، فتقول ما بقي منّي إلّا أنتِ. أقول أنا أيضاً، ما بقي منّي إلّا أنتِ

شتات يستولي على سلام في صدري. الجميع يجهرون، الجميع مليئون بأنفسهم، أما انا فأمتلائي سرّي. مجتمعي يعتبرني شاذة عن أصل. مع انني _مثل غيري_ متوارثة. لا أريد انتقادهم فهم لا يفهمون الانتقاد ولا يسمعون ما قلّ عن مسامعهم او ما زاد. سأبقي انتقادي مع ذات وأسرار ومُكبتات وكارثة

لقد وجَدَت ذكراي زاوية او هاوية بها تترسّم. هو لا يتكلم عن علاقاته الحميمة وهي الاخرى لا تتكلم 
شقراء، تقرأ الشِعر، تتحفظ بالموت. كم اتذكرها في أوقات البعد وأوقات المماس. كان قربي منها طبيعة وقربها منّي انحياز. اذكرها عندما نامت على جلدي وعندما استدامت على مد نظري. عندما قالت انها تريدني أُمّاً ثانية لأولادها. اذهبت الى دولة أُخرى؟ اشتقت لها هي الأُخرى.

5 
كل ما هو سرطان _برج ومرض ومخلوق_ تبنيته. كان بِوِدّي تبني ابنة تكبر لتصبح متمردة أو ولد يكبر ليصبح مثل امه. يفاجئنا عند نومنا هذا الاله، كأنه يخاف يقظتنا

ذات يوم كانت الشقراء تشكي لي بسجع عن وجع بأحد ثدييها. فذهبت بها الى حكيم لكي نطمئن، وفي اليوم التالي جلبتُ لها حوض به مخلوق بحر يلهيها. كانت أمواج صوتها تحمل معها تيار أوتار، فحتى عند تكلمها عن المرض كانت تشفي غليلي من مريري. كم كانت جميلة وكم كانوا ثدييها يستحقان ما كان للحياة باقي. خفقان قلبها وعطرها وشطرها من سريري، جميعهم يتجزئون باشتياقي.

انزلي من مكانتك أيتها الشمس، فحرقة قلبي تقمصتك

6
تراجيدية التجرّد لم تدعني أنم منذ أيام. أنتفض وحيدة في الليالي. لا أعلم من أكون من دونهم، ومن يكونون من دوني. هو هَرَب وهي سُلِبَت، ولا زلت أتَنَكَّر وأستنّكر ظنوني. كم أتمنى الخلاء أو الصحراء، حتى أنني أصبحت أتمنى البلاء. اذهبوا بسلام واتركوني