رسالة نيسان

ابنتي الصغيرة،


كدت استنفذ طاقاتي وانا أحاول الكتابة عما انتابني في الفترة الماضية، فكان في الاستسلامِ سلامٌ لذاكرتي. دعيني أعتذر عن جُبني.


ها قد بدأت كتابة هذه الرسالة وقد تكون دلالة على تجميل في هيئتي البشعة او عن أكذوبة أحييها لأول مرة. على الحالتين، لن أتأسف كما فعلت في الماضي. فالتعتبرينها رسالة توضيحية عن مخلوق أخفى أفكاره مراراً وتكراراً لغرض الاحتكار. انساناً أخذ من نقصانه شخصية وحاورها حتى الانتحار. من هذا المنطلق، أبدأ بشرح تفاصيل يومي:

يومي مزهرية أملأها ببعض النباتات البرية التي تنتمي الى التراب... بينما اعيش انا على أرض ناشفة. لم أعد احتمل المكوث هنا! أرى جسدي وهو عالقاً في هذا المكان القبيح.. اتجلّى عنه كل ليلة فأشهده وهو ممدداً كالقتيل في معركة البرح. أه... أعتذر عن خروجي عن سياق الشرح. سأبدأ من جديد:

يومي مزهرية أملأها ببعض النباتات البرية، تلك التي تنتمي الى التراب... التقطهم بحذر واحدة تلو الأخرى كل صباح، وأتلمسهم في ساعات اليوم آملاً ان يَعّدوني بسموم البر. اولن تكون تلك قصة جميلة؟ عدوةُ نباتٍ لبشر؟ على أية حال، ان كان ينتابك السؤال، ليس لمرضي والنبات صلة. بل مرضي سببه هذه الأرض المستأصلة. أعلم انك تخافين علي، ترسل لي والدتك أحياناً تسجيلات صوتية طالبة مني ان اطمئنكم عني. ما زلت بخير، ورغم كثرة رغبتي للقهوة لكثرة نسياني لطعمها، ما زلت أتذكر كل شيء آخر 

يساعدونني هنا الأخِصّاء على عدم النسيان، ولكنني لطالما نسيت تخصصهم. أشك بهم جميعاً. أشعر أحياناً بأنهم شرطة أمن متخفيين تحت زي الأطباء، وأكره حبسهم لي الذي جعلك تعتبرينني مجرماً. ولكن ابنتي الكبيرة ستعلم قريباً انه ليس في النسيان ظالماً. أليس كذلك؟

استذكر مشهد الغابة كل ليلة، فهو يجعلُ من ليلي أهمُ جزءاً في اليوم. ولكنه كان مشهداً صباحياً، في غابةٍ قرب منزلنا الصغير، كنتِ تتأرجحين على أرجوحة معلقة وأنا تحت الشجرة أتابع وجودك وهو يطير. هل سيعود شعرك طويلاً ومتموجاً بسواده؟ جميل هو أيضاً بعد ان قصصته في سنين مراهقتك. ترسل لي والدتك صوراً، صوراً كثيرة... أتمنى ان تزوريني عوضاً عن ان أراك في هذه الشاشة... اتمنى ان تلومينني أو تنظرين الي كأبيك الأحمق ولكنني أتفهم عدم رغبتك لكل هذا


ابنتي الصغيرة، ألتقط أوراق الأشجار في بعض الصبحيات. يُذَكِرُني تجعدهم بالعجوز التي بداخلي. كم تقلق عليك تلك العجوز. أعدك أن أسقيك وأبقيك تحت الشمس فور خروجي.



آملاً ان تنبتي كزهرة برية،

أبيك الأحمق.

كابوس

"ما هذا العار يا أبي؟ ما هذا العار؟"

ارتجف رمشك في منامك وانا استعمل معدات التصوير. أكنت في خفيف نومك ام كان سمعك في أجلّ قدراته؟ أتراك كنت تحلم بي استرق النظر الى الخارج من دون إذن؟ لم تقل شيء في الصباح ولم أعترف بسرقتي وتركت الكابوس في سباته.

تستغرقني تساؤلاتي في اليوم ألف مرة فتتلفُ بي كقماشة عتيقة.. مبتلة ولم تجف بعد. إرتجف رمشك تلك الليلة كونك تعلم انني اتيت لأسباب لطالما كانت تؤرقني وتربيت معها. وورطتك انا معي، فالنائم على الجريمة يبلعها. 


لم أرى الكثير: إمرأة في اوج شيخوختها مرتدية نفس القماشية العتيقة ولكن جافة... صديقتين في آخر لحظاتهم الحميمة على سطح البناية يتداعبون على الحافة... ورجل بين اربعة جدران: يطرق على الأرض فتؤلمه قدميه، يهرب من النوافذ فتمنعه مفاصله من العبور

لم استطع تجاهل طاولة الطعام في ذهني وما كنت تقول عليها، فإبتعدت بعد وهلة عن المنظار. 

أخذ الخوف طبيعة الفضول بي حينها، ولكنه لم يأخذ طبيعتي، فلا تؤاخذني على عدسات التصوير التي وضعتها في غرفتي.

مكاتيب

1. لست جاد بقولي هذا، ولكنني لست بِجاد. كبيرة هي رغبتي بالاكتراث ولكن يكبرها اكتراثي برغبتي. كفيل بالموت هذا الشوق الأعمى، فقد شاخ بي. 

2. على حلبة لا ترى الصراع، وَضَعَت معصميها على رقبته وقالت: "ما هو الفن؟" كانت نغزات اساورها على رقبته كنغزات قلبه كل ما نظرت الى عينيه ولكنه لم يكترث، فالجمال يسبب الألم قبل الرفق. قال لها: "لا يجعل الانسان من نفسه قطعة فنية ما لم يكن مسؤولاً عن عاشقيه. لا تسألي عن الفن، اسألي عن مقتنيه."

3. 
لدي وعي يتفقدني بعد كل مغيب ليكشف ان كانت أعضائي في مكانها. أقول له الّا يتلمسني في الوريد. لدي كل ما هو غير مفيد وسعيي لمنح خصل ألوانها. لدي قارورة نبيذ أصادقها في كل مرة اتذكرك بها وباتوا يسموني بالعربيد. 

4. شريكي في الجريمة، اعتقد انني رأيت جِنْيّة في حلم يقظة. هَمَسَتْ أمام وجهي قائلة الّا اقاوم نومي، ومن ثم نَزِلَت الى طرف السرير مبتسمة، سريالية الملامح. لم آخذ بنصيحتها واستمريت بمناداة أحدٍ لكي يوقظني. وعند استسلامي، أتت بصورٍ لشخصيات وهمية تشبهها. أعتقد انني لولاها لكنت فقدت عقلي، فرغم تأقلمي لاختلاف الواقع، لم أتأقلم بعد لاختلاف أحلامي منذ افتراقنا.

5. بتٌّ كمن قبّل أيدي جدته بعد صلاتها ومن ثم هاجر ولم يعد. وكل يوم، 
تطلب مني الكراهية تأبينها فأرمي نفسي في الطين آملاً ان يُزرَع بي شيء غير الانتقاء. استغرب كبرياء الذين يختارون أحد على أحد. من تكون أنت لكي تقرر؟ يالها من عدم انسانية. ياله من هراء. 

6. 
ألم تشتاق للضوضاء؟

7. صَرَخَت في رأسي الموسيقى كفتاة صاخبة هذه الليلة. وأردت تقبيلها. أتمنى لك الموسيقى، فهي خير علاج.

بائع الياسمين


"تباهى بنفسه تاركاً لي بهتان نفسي ذاك الذي تبلّح أمامي آخذاً منّي التين. تحامى بنفسه تاركاً هذيان يأسي، ثم ترنح في حارتي المهجورة بائعاً الياسمين.
قولوا له أن يمارس هواية التخلّي. فلم يتبقّى سِوى السنين."

لن يتوقف عن الاستغناء ان كانت هذه حريته، ولن أمنعه، فحتى من لا يعلم معنى الحرية يستحقها. نرجسيته التي لا يعترف بها ستستوطن شخص جديد وسيخشى كل يوم من الحرب. وبعد اندلاعها سيأخذ كل ما لديه من استنكار واستقرار وتَحَيُّدِه لنفسه الى مكان آخر. جميل هذا التكرار. 

علمني بائع الياسمين ان التخلّي عن من يهتم لأمرك كالحبس المنفرد لمن ليس لديه موقف ضد هذا النظام. وانه هو كالمسجون الذي يبتسم للشرطي منتظراً غداءه وزيارة صديقته. سينصت مستمعاً للخبثاء من البشر، ولن أمنعه، لن أقف بوجه اكتشافه حقيقته.


ولكن قولوا له عن قصة الامرأة التي لم تطعم القطة لأيام عِقاباً لخدشها يدها، ولم يكن في البيت من طعام سوى الملح على الزوايا لقتل النمل. قولوا له عمّا حَوَت تلك الليلة من دم. قولوا له ماذا أكَلَت القطة.

كُتُب تاريخ

لم يزودها الوقت بوقود حين كانت تعتمد على آليتها، فأتت انسانيتها كعلامة حذر. كانت مظاهر الأرض تقلد السماء كعادتها، وللمتسكعين بها لغة يتبادلون ركاكتها، بينما كانت هذه المرأة تحبّر دمها وتتجاهل شخصياتها وما لديها من مدارك. من هذا الذي أخذ منها شيء ولم يرجعه، ولمَ فعل ذلك؟

لم يزودها الوقت بوقود حين كانت تعتمد على آليتها، فمن يا ترى كان يقود السيارة مسرعاً؟

في غرفة بها كتب على الرفوف وملصقات فرق موسيقى "الروك" على السقوف، اختبئت روح السيد درويش في مذياع... ليته لم يذكّرها بذاك الشخص بذاك الحين. ليتها لم تكتب هذه القصة.

كانت تعيش في الأيام، بقرب الليل، على زاوية بها سلب وسيل، وكم كانت مفرطة... بكل شيء! 
حتى الكلمات... لم تجد تنظيمها حتى خسرت شريكتها بسبب محادثاتٍ وقيء. وبعد ذلك، أشفقت على الجميع. أشفقت على كل الاحاديث المتبادلة وطرق الاتصال والتعارف، البطيء منها والسريع. ورغم أنها لم يعجبها شيء، كانت تقليدية كجميع الناس، حتى اولئك الهاربون. آه، الهاربون... أشفقت عليهم أيضاً.

كان على حوائط غرفتها ساعتين لا تعملان... فقد كان يزعجها جهد قلبها لمجاراة دقات الساعة ولفترة طويلة لم تفكر بشيء سوى الموتاعتقدت أن الموت كالخير، لا تتمناه لأحد حتّى تتمناه لنفسك، وكانت محقة. لا يجعل من الموت شر سوى ما يتبعه من مشقة

تمنّت الوحدة لنفسها، تلك التي تشعر بها من دون الناس. 
أما الوحدة التي كانت تشعر بها بين أصدقائها فلم تتمناها لأحد. كانوا يتجادلون أمام البحر والبحر يضحك لمالئة القُلَلّ. كثيرٌ هذا الدهاء يا رفيقي! أين هو في وقت الكَلَلّ؟
في تجمعاتهم، كانت تتذكر احدى تفاصيل وجنتيها خاشية انها قد فقدتها لكثرة شرود ملامحها. فهي انسانة حفظت المسافة بين حاجبيها والرسالة الموجهة من قالب قدميها وتستغرب سرعة نظر لامحها. فقد كانت تجيد علم اكتشاف الآخر رغم فشلها بالتمسك بالمحصلة، كون أصابعها لم يكونوا قط من تفاصيلها المفضلة 

كان في دفترها أوراقاً مقصوصة من كتب تاريخ عن عرب الداخل، ملصقة ومنصقة بصمغ مصنّع من الخارج. فقد 
كان ارتباطها بالتاريخ متوارث، متناقل كعين الحسود. حتى أيقنت كرهها لكل ما هو حولها حين أصبحت معالمه التاريخية تشعرها بالبرود. لم يعد للتاريخ دفئاً تلجأ اليه، فأعطت كل أملها لمدفئة الكهرباء

أسيعنّفها الوقت بمروره؟ أسيجر بها كالسمكة العالقة بالمصيدة في عمق الماء؟
.لا تحكوا لها... عن موت البحر من الخلاء

البعيد

كان هنالك شخص، سأطلق عليه أسم البعيد.

كان البعيد يصدق بحديث المنافقين، فتعجبه نهايات الأفلام السينمائية السعيدة، ويحاول جاهداً وهو جاحداً ان يطبقها على الحياة. كنت أقول له أن فرض الخيال على واقع الأخرين مؤلم لهم، لذلك ترى الفنانين منعزلين وعند شهرتهم يمرضون. ولكنه كان يجعلني أعِدَهُ بالخيال، وكأنني لست انساناً. وكأن عيوبي تُأجل أو تُسَجَّل على ارصفة تُدهن لاحقاً وتختفي.

جعل البعيد هويتي الفنية تحتار بينه وبيني. بين ارتباطي بالخيال ورفضي لقوة ارتباطه به. ولكنني أدركت لاحقاً أن البعيد كان ضحية لخيال ليس له علاقة بنظرة فنية للحياة، فهو لم يرسمه أو يكتبه أو يغنيه، وأنما أستعاره من كذبة فنية. أدركت حينها أن الكذب رغم سهولة ربطه بالخيال مختلف كل الاختلاف عنه، و
ان عدم فهم البعيد لأبعاد الواقع يجعل منه ما هو عليه، فهروبه لكذبة لن يأخذه الى الحلم، لأن الأحلام صادقة. 

ما زال البعد بي وأحياناً يستيقظ من غفوته ويُجعّر في الخلاء. لا يحرك ساكناً حتى حينها، فما المنطق من السفر وما المنطق من البقاء؟ 

لا ترجع أيها البعيد.