البعيد

كان هنالك شخص، سأطلق عليه أسم البعيد.

كان البعيد يصدق بحديث المنافقين، فتعجبه نهايات الأفلام السينمائية السعيدة، ويحاول جاهداً وهو جاحداً ان يطبقها على الحياة. كنت أقول له أن فرض الخيال على واقع الأخرين مؤلم لهم، لذلك ترى الفنانين منعزلين وعند شهرتهم يمرضون. ولكنه كان يجعلني أعِدَهُ بالخيال، وكأنني لست انساناً. وكأن عيوبي تُأجل أو تُسَجَّل على ارصفة تُدهن لاحقاً وتختفي.

جعل البعيد هويتي الفنية تحتار بينه وبيني. بين ارتباطي بالخيال ورفضي لقوة ارتباطه به. ولكنني أدركت لاحقاً أن البعيد كان ضحية لخيال ليس له علاقة بنظرة فنية للحياة، فهو لم يرسمه أو يكتبه أو يغنيه، وأنما أستعاره من كذبة فنية. أدركت حينها أن الكذب رغم سهولة ربطه بالخيال مختلف كل الاختلاف عنه، و
ان عدم فهم البعيد لأبعاد الواقع يجعل منه ما هو عليه، فهروبه لكذبة لن يأخذه الى الحلم، لأن الأحلام صادقة. 

ما زال البعد بي وأحياناً يستيقظ من غفوته ويُجعّر في الخلاء. لا يحرك ساكناً حتى حينها، فما المنطق من السفر وما المنطق من البقاء؟ 

لا ترجع أيها البعيد.