بائع الياسمين


"تباهى بنفسه تاركاً لي بهتان نفسي ذاك الذي تبلّح أمامي آخذاً منّي التين. تحامى بنفسه تاركاً هذيان يأسي، ثم ترنح في حارتي المهجورة بائعاً الياسمين.
قولوا له أن يمارس هواية التخلّي. فلم يتبقّى سِوى السنين."

لن يتوقف عن الاستغناء ان كانت هذه حريته، ولن أمنعه، فحتى من لا يعلم معنى الحرية يستحقها. نرجسيته التي لا يعترف بها ستستوطن شخص جديد وسيخشى كل يوم من الحرب. وبعد اندلاعها سيأخذ كل ما لديه من استنكار واستقرار وتَحَيُّدِه لنفسه الى مكان آخر. جميل هذا التكرار. 

علمني بائع الياسمين ان التخلّي عن من يهتم لأمرك كالحبس المنفرد لمن ليس لديه موقف ضد هذا النظام. وانه هو كالمسجون الذي يبتسم للشرطي منتظراً غداءه وزيارة صديقته. سينصت مستمعاً للخبثاء من البشر، ولن أمنعه، لن أقف بوجه اكتشافه حقيقته.


ولكن قولوا له عن قصة الامرأة التي لم تطعم القطة لأيام عِقاباً لخدشها يدها، ولم يكن في البيت من طعام سوى الملح على الزوايا لقتل النمل. قولوا له عمّا حَوَت تلك الليلة من دم. قولوا له ماذا أكَلَت القطة.

كُتُب تاريخ

لم يزودها الوقت بوقود حين كانت تعتمد على آليتها، فأتت انسانيتها كعلامة حذر. كانت مظاهر الأرض تقلد السماء كعادتها، وللمتسكعين بها لغة يتبادلون ركاكتها، بينما كانت هذه المرأة تحبّر دمها وتتجاهل شخصياتها وما لديها من مدارك. من هذا الذي أخذ منها شيء ولم يرجعه، ولمَ فعل ذلك؟

لم يزودها الوقت بوقود حين كانت تعتمد على آليتها، فمن يا ترى كان يقود السيارة مسرعاً؟

في غرفة بها كتب على الرفوف وملصقات فرق موسيقى "الروك" على السقوف، اختبئت روح السيد درويش في مذياع... ليته لم يذكّرها بذاك الشخص بذاك الحين. ليتها لم تكتب هذه القصة.

كانت تعيش في الأيام، بقرب الليل، على زاوية بها سلب وسيل، وكم كانت مفرطة... بكل شيء! 
حتى الكلمات... لم تجد تنظيمها حتى خسرت شريكتها بسبب محادثاتٍ وقيء. وبعد ذلك، أشفقت على الجميع. أشفقت على كل الاحاديث المتبادلة وطرق الاتصال والتعارف، البطيء منها والسريع. ورغم أنها لم يعجبها شيء، كانت تقليدية كجميع الناس، حتى اولئك الهاربون. آه، الهاربون... أشفقت عليهم أيضاً.

كان على حوائط غرفتها ساعتين لا تعملان... فقد كان يزعجها جهد قلبها لمجاراة دقات الساعة ولفترة طويلة لم تفكر بشيء سوى الموتاعتقدت أن الموت كالخير، لا تتمناه لأحد حتّى تتمناه لنفسك، وكانت محقة. لا يجعل من الموت شر سوى ما يتبعه من مشقة

تمنّت الوحدة لنفسها، تلك التي تشعر بها من دون الناس. 
أما الوحدة التي كانت تشعر بها بين أصدقائها فلم تتمناها لأحد. كانوا يتجادلون أمام البحر والبحر يضحك لمالئة القُلَلّ. كثيرٌ هذا الدهاء يا رفيقي! أين هو في وقت الكَلَلّ؟
في تجمعاتهم، كانت تتذكر احدى تفاصيل وجنتيها خاشية انها قد فقدتها لكثرة شرود ملامحها. فهي انسانة حفظت المسافة بين حاجبيها والرسالة الموجهة من قالب قدميها وتستغرب سرعة نظر لامحها. فقد كانت تجيد علم اكتشاف الآخر رغم فشلها بالتمسك بالمحصلة، كون أصابعها لم يكونوا قط من تفاصيلها المفضلة 

كان في دفترها أوراقاً مقصوصة من كتب تاريخ عن عرب الداخل، ملصقة ومنصقة بصمغ مصنّع من الخارج. فقد 
كان ارتباطها بالتاريخ متوارث، متناقل كعين الحسود. حتى أيقنت كرهها لكل ما هو حولها حين أصبحت معالمه التاريخية تشعرها بالبرود. لم يعد للتاريخ دفئاً تلجأ اليه، فأعطت كل أملها لمدفئة الكهرباء

أسيعنّفها الوقت بمروره؟ أسيجر بها كالسمكة العالقة بالمصيدة في عمق الماء؟
.لا تحكوا لها... عن موت البحر من الخلاء