الشاطر

"هنا... في قلب شبكة التواصل الاجتماعي... حزنٌ يميزها عن كل الاختراعات الإنسانية الأُخرى... أتشعر به؟"

هل كان شراب الزنجبيل الساخن يُذَكِّرهُ بعصرةِ ليمونٍ أم برشفةٍ من التاكيلا؟ ومن منهما كان يفضل؟ ربما شَعَرَ بطعمينِ في شيئٍ واحد. لم يدرك لغز الزنجبيل، ولكنه كان يحبُ شربه في تلك الفترة.

كان يعمل في مسرحٍ صغير يتخذ ألوان الأحمر والخمري طابعاً له والأزرق الغامق والأسود كغطاء. وكان مساعداً لشخصياتٍ هامة في مجال المسرح. شخصيات صاعدة متباعدة الآفاق. تجدها رغم رفضها لنظام العمل تتسلسل به كالسياراتِ من الأنفاق. ولكنها شخصيات خلقت أجلّ وأجمل الأعمال... في هذه المدينة البشعة. ورغم غربة هذا الشاب عن كل ما هو حوله، كانت كواليس المسرحيات له كَجَمْعة العائلة. وكم كان مشتاقاً لهذه الفقاعة الواسعة المحتضنة للحميمية الإنسانية.

في أول ليلة للمهرجان طلبت منه المخرجة في الكواليس أن يشطر قماشة إلى نصفين (كان في الليلة السابقة قد شطرَ قلباً الى نصفين)، فضحك وقال إن شطر الأشياء من اختصاصه. ابتسمت هي الأخرى وأسمته حينها بالشاطر.

في كل عودةً إلى منزله كان يسمع أم كلثوم ويتأمل فرحها وهي تغني. كم كانت هذه المرأة سعيدة! وكم كان الشاطر حزيناً. كانت الكلمات تخرج منه دفعاً. فلم يكن للحديث نفعاً. لم يكن معبراً عن انسيابِ ذلك العالم المتخمّر في رأسه حين كان صدره يدفع بصوته الى الخارج. ربما اعتاد الشاطر الحديث أمام شاشة الحاسوب حتى أصبحت هي جمهوره الوحيد. فالشاشة لم تكن تنظر إليه فحسب، بل كانت تحتوي كلماته وتنظمها. بعكس الإنسان. الإنسان لا ينظم كلمات غيره ليصل إلى المعنى. الإنسان عملاقٌ لا يرى سوى سقف المبنى.

عاش الشاطر في شقة كانت تحت الأرض كما هي فوق الأرض. هكذا هي الشقق الجبلية، وأطلّتْ غرفته على الكثير منها.
هناك، على مكتبه، في إحدى الليالي المزعجة الصوت والحركة، استنفذ الشاطر طاقته كاملةً بمهام واوهام على الشاشة أمامه. حينها، مع كل الأصوات وكل الأفكار في رأسه، خرج فجأة من الشاشة شيئٌ كالتنين في هيئة غرائبية. كم كان مخيفاً! أخذ يلومه ويذكره بما عليه فعله. ويكرر بذلك اللوم مرة ومرتين وثلاثة. صرخ الشاطر وبغضبٍ شديدٍ أطبق الشاشة فانشطر الجهاز إلى نصفين.

أيقظ الشاطر يومها شيئًا في صدره، ربما الفراغ. حينها وهو متمدد على الأرض شَعَرَ بوصفِ إدغار آلان بو لظلام الليل. شَعَرَ بكيان الحزن الغامض. وبعد أن استيقظ من نوبته، رأى الجهاز مشطوراً. فتح شاشة  الجهاز المكسورة وإذ به ما زال يعمل. فوعده الّا يؤذيه مجدداً وصار محباً بعمقٍ للنّصفين وكأنه كان قد شطرهما من نفسه هذا الشاطر.

أصبح في الأيام التي تلت ينظر إلى شاشة الحاسوب فيشعر بتواصل جديد بينه وبينها: يلاحظ كل جزء من الثانية قبل استقبال الرسائل، وكل مسحٍ للكلمات وكل إضافةٍ لها. شَعَر بتعب الجهاز، وخوفه الناتج عن تحمل مسؤولية كل هذه الملفّات والعوالم اللانهائية التي كان يسافر عبرها. كل ذلك كان مضغوطاً في هذا المكعب. ما الذي جعل الشاطر مرتبطاً به لدرجة قياس نبضه؟ وما الذي جعله يشعر بما يشعر به؟

الحب يأتي أحياناً من شعور الذنب. حين تذنب بحقِ الآخر يصبح الآخر أكبر بعينك. الآخر لم يفعل شيئاً لِيُكبّر او يُصَغِّر من شأنه. أنت من فعل الفعلين. انت من أذنب ومن أحب. هو فقط في عمق هذا المشهد الدرامي يحاول الخروج من الكادر.

بعد عام من علاقتهما، توقف الجهاز عن العمل، وجعل الذنب من قلب الشاطر نصفين. نصفان بعكس نصفيّ الجهاز كونهما لم يكفيانه. كان ساذجاً لتمسكهِ بكل شيءٍ يمسّ يديه. حتى وإن كان الشيء فاقداً لحاسة اللمس. ولكن ما لم يعلمه الشاطر هو أن فقدان الحواس معدٍ، وهو بارتباطه بهذا الجهاز أصبح يفتقد حاسة الشم. فلو اشتم رائحة الأشياء، لما تركها تتعفن هكذا. لو اشتم رائحة الجهاز وهو يحترق، لكان قد تخلص منه منذ أزمنة. لكان تخلص من كل النقاشات والذكريات والصور والمحادثات على تلك الشاشة الصغيرة قبل أن يموت منها خنقاً.
 


"أنا وأنت، لم نكن حيواناتٍ أو أناسٍ في حيواتنا السابقة. كنّا ماءً ونار."
"وماذا يحدث حين تعجز الماء عن إخماد النار؟" 
"تلجأُ النارُ الى الهواء."
"ولكن... ماذا لو تخلّينا عن قوانين الطبيعة؟"
"سنطير كلانا في الفضاء... مفرّقين."



No comments:

Post a Comment